محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) * . . يعني جل ثناؤه بقوله : * ( يريد الله ليبين لكم ) * حلاله وحرامه ، * ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) * يقول وليسددكم سنن الذين من قبلكم ، يعني : سبل من قبلكم من أهل الايمان بالله وأنبيائه ومناهجهم ، فيما حرم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات ، وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بين فيهما ما حرم من النساء . * ( ويتوب عليكم ) * يقول : يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبل الاسلام ، وقبل أن يوحي ما أوحى إلى نبيه من ذلك عليكم ، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم . * ( والله عليم ) * يقول : والله ذو علم بما يصلح عباده في أديانهم ودنياهم ، وغير ذلك من أمورهم ، وبما يأتون ويذرون ما أحل أو حرم عليهم حافظ ذلك كله عليهم ، حكيم بتدبيره فيهم في تصريفهم فيما صرفهم فيه . واختلف أهل العربية في معنى قوله : * ( يريد الله ليبين لكم ) * فقال بعضهم : معنى ذلك ، يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ، وقال : ذلك كما قال : * ( وأمرت لأعدل بينكم ) * بكسر اللام ، لان معناه : أمرت بهذا من أجل ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك : يريد الله أن يبين لكم ، ويهديكم سنن الذين من قبلكم ، وقالوا : من شأن العرب التعقيب بين كي ولام كي وأن ، ووضع كل واحدة منهن موضع كل واحدة من أختها مع أردت وأمرت ، فيقولون : أمرتك أن تذهب ولتذهب ، وأردت أن تذهب ولتذهب ، كما قال الله جل ثناؤه : * ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) * ، وقال في موضع آخر : وأمرت أن أكون أول من أسلم ، وكما قال : * ( يريدون ليطفئوا نور الله ) * ، ثم قال في موضع آخر : * ( يريدون أن يطفئوا ) * واعتلوا في توجيههم أن مع أمرت وأردت إلى معنى كي وتوجيه كي مع ذلك إلى معنى أن لطلب أردت وأمرت الاستقبال ، وأيهما لا يصلح معها الماضي ، لا يقال : أمرتك أن قمت ولا أردت